إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

486

الإعتصام

عليه كل موفق بالشريعة أنه لا تناقض فيها ولا اختلاف . فمن توهم ذلك فيها فلم ينعم النظر ولا أعطى وحى الله حقه ولذلك قال الله تعالى « أفلا يتدبرون القرآن » فحضهم على التدبر أولا ثم أعقبه « ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا » فبين أنه لا اختلاف فيه والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به . فصل النوع الثالث : أن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدارك جميع ما كان وما يكون وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون فمعلومات الله لا تتناهى ومعلومات العبد متناهية والمتناهي لا يساوى ما لا يتناهى وقد دخل في هذه الكلية ذوات الأشياء جملة وتفصيلا وصفاتها وأحوالها وأفعالها وأحكامها جملة وتفصيلا فالشيء الواحد من جملة الأشياء يعلمه الباري تعالى على التمام والكمال بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أحواله أو أحكامه بخلاف العبد فإن علمه بذلك الشيء قاصر ناقص تعقل أو صفاته أو أحواله أو أحكامه وهو في الإنسان أمر مشاهد محسوس لا يرتاب فيه عاقل تخرجه التجربة إذا اعتبرها الإنسان في نفسه وأيضا فأنت ترى المعلومات عند العلماء تنقسم إلى ثلاثة أقسام قسم ضروري لا يمكن التشكيك فيه كعلم الإنسان بوجوده وعلمه بأن الاثنين أكثر من الواحد وأن الضدين يجتمعان وقسم لا يعلمه البتة إلا أن يعلم به أو يجعل له طريق إلى العلم به وذلك كعلم المغيبات عنه كانت من قبيل ما يعتاد علم العبد به أولا كعلمه بما تحت رجليه إلا أن مغيبه عنه تحت الأرض بمقدار شبر وعلمه بالبلد القاصي عنه الذي لم يتقدم له به عهد فضلا عن علمه بما في السماوات وما في البحار وما في الجنة أو النار على التفصيل فعلمه بما لم يجعله عليه دليل غير ممكن .